ابن كثير
125
البداية والنهاية
وسبعين [ وخمسمائة ] ، وتوفي في هذه السنة وله من العمر تسع وستون سنة وشهران وعشرون يوما ( 1 ) ، وكانت مدة خلافته سبعا وأربعين سنة إلا شهرا ( 2 ) ، ولم يقم أحد من الخلفاء العباسيين قبله في الخلافة هذه المدة الطويلة ، ولم تطل مدة أحد من الخلفاء مطلقا أكثر من المستنصر العبيدي ، أقام بمصر حاكما ستين سنة ، وقد انتظم في نسبه أربعة عشر خليفة ، وولى عهد على ما رأيت ، وبقية الخلفاء العباسيين كلهم من أعمامه وبني عمه . وكان مرضه قد طال به وجمهوره من عسار البول ، مع أنه كان يجلب له الماء من مراحل عن بغداد ليكون أصفى ، وشق ذكره مرات بسبب ذلك ، ولم يغن عنه هذا الحذر شيئا ، وكان الذي ولي غسله محيي الدين ابن الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي ، وصلى عليه ودفن في دار الخلافة ، ثم نقل إلى الترب من الرصافة في ثاني ذي الحجة من هذه السنة ، وكان يوما مشهودا ، قال ابن الساعي : أما سيرته فقد تقدمت في الحوادث ، وأما ابن الأثير في كامله فإنه قال : وبقي الناصر لدين الله ثلاث سنين عاطلا من الحركة بالكلية ، وقد ذهبت إحدى عينيه والأخرى يبصر بها إبصارا ضعيفا ، وآخر الامر أصابه دوسنطارية عشرين يوما ومات ( 3 ) ، وزر له عدة وزراء ، وقد تقدم ذكرهم ، ولم يطلق في أيام مرضه ما كان أحدثه من الرسوم الجائرة ، وكان قبيح السيرة في رعيته ظالما لهم ، فخرب في أيامه العراق وتفرق أهله في البلاد ، وأخذ أموالهم وأملاكهم ، وكان يفعل الشئ وضده ، فمن ذلك أنه عمل دورا للافطار في رمضان ودورا لضيافة الحجاج ، ثم أبطل ذلك ، وكان قد أسقط مكوسا ثم أعادها وجعل جل همه في رمي البندق والطيور المناسيب وسراويلات الفتوة . قال ابن الأثير : وإن كان ما ينسبه العجم إليه صحيحا من أنه هو الذي أطمع التتار في البلاد وراسلهم فهو الطامة الكبرى التي يصغر عندها كل ذنب عظيم . قلت ، وقد ذكر عنه أشياء غريبة ، من ذلك أنه كان يقول للرسل الوافدين عليه فعلتم في مكان كذا وكذا ، وفعلتم في الموضع الفلاني كذا ، حتى ظن بعض الناس أو أكثرهم أنه كان يكاشف أو أن جنيا يأتيه بذلك ، والله أعلم . خلافة الظاهر بن الناصر لما توفي الخليفة الناصر لدين الله كان قد عهد إلى ابنه أبي نصر محمد هذا ولقبه بالظاهر ، وخطب له على المنابر ، ثم عزله عن ذلك بأخيه علي ، فتوفي في حياة أبيه سنة ثنتي عشرة ، فاحتاج إلى إعادة هذا لولاية العهد فخطب له ثانيا ، فحين توفي بويع بالخلافة ، وعمره يومئذ ثنتان
--> ( 1 ) في ابن الأثير 12 / 439 وتاريخ أبي الفداء 3 / 136 : نحو سبعين سنة تقريبا . ( 2 ) في ابن الأثير : ستا وأربعين سنة وعشرة أشهر وثمانية وعشرين يوما . وفي أبي الفداء : نحو سبع وأربعين سنة . وفي الوافي ودول الاسلام 2 / 126 : سبعا وأربعين سنة . وفي مرآة الزمان 8 / 635 : سبعا وأربعين سنة إلا شهورا وأياما . ( 3 ) انظر تاريخ أبي الفداء : 3 / 135 والكامل لابن الأثير 12 / 440 .